صبحي الصالح

47

مباحث في علوم القرآن

« أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » . فلما عجزوا حتى عن السور العشر المفتريات تنازل إلى تحديهم بسورة واحدة من مثله ، فقال في سورة البقرة : « وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا - وَلَنْ تَفْعَلُوا - فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ » . حتى إذا عجزوا عن معارضة سورة واحدة من سوره - وهم أمة الفصاحة والبلاغة - جلجل صوته في الآفاق ، وتحدى أمم العالم قائلا في ثقة ويقين : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » . بالأسلوب المعجز الساحر مسّ القرآن إذن قلوب العرب منذ الفترة المكية ، قبل أن تنزل آياته التشريعية ، ونبوءاته الغيبية ، ونظرته الكلية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان . ولو أتيح لمعاصري الوحي القرآني أن يطلعوا منه على الجانب العلمي والجانب الفلسفي اللذين أتيح لبعضنا أن يطلعوا عليهما ، وكان لهم من الثقافة ما يمكنهم من الحكم على حقائق التاريخ ، لأدركوا مثل جميع المنصفين عجز الزمان عن إبطال شيء منه ، ولأيقنوا أن علوم الكون ستظل جميعا في خدمته للكشف عن آيات اللّه في الآفاق والأنفس ، كما قال اللّه : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » ! * * * وبعد ، فقد آثرنا أن نعالج ظاهرة الوحي المعجز بمثل ما عالجها به القرآن من التأثير المقنع ، فلجأنا إلى الزاوية النفسية ، ودرسنا من خلالها الفرق العظيم بين ذات الخالق وشخصية المخلوق ، وبين صنعة الخالق وصنعة المخلوق ، وتجنبنا التعقيد والجدل العقيم ، وحاولنا ألا نقرب حقائق الغيب العليا بما يعرفه الناس عن التنويم « المغناطيسي » وتسجيل الأصوات على الأشرطة